عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

46

اللباب في علوم الكتاب

وبجل وعظم : ائتنا بآية كما أتى الأنبياء قبلك فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . قال ابن الخطيب : « والأقرب أن هذه الآية ما نزلت في واقعة مبتدأة ، بل هي من بقية أحكام تحويل القبلة » . قوله : « وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ » . « ما » تحتمل الوجهين أعني : كونها حجازية ، أو تميمية : فعلى الأول يكون « أنت » مرفوعا بها ، و « بتابع » في محلّ نصب . وعلى الثاني يكون مرفوعا بالابتداء ، و « بتابع » في محلّ رفع ، وهذه الجملة معطوفة على جملة الشرط ، وجوابه لا على الجواب وحده ، إذ لا يحل محله ؛ لأن نفي تبعيتهم لقبلته مقيد بشرط لا يصح أن يكون قيدا في نفي تبعيته قبلتهم ، وهذه الجملة أبلغ في النفي من قوله : « ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ » من وجوه : أحدها : كونها اسمية متكرر فيها الاسم ، مؤكد نفيها بالباء . ووحّد القبلة وإن كانت مثناة : لأن لليهود قبلة ، وللنصارى قبلة أخرى لأحد وجهين : إما لاشتراكهما في البطلان صارا قبلة واحدة ، وإما لأجل المقابلة في اللفظ ؛ لأن قبله : « ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ » . وقرىء : « بتابع قبلتهم » بالإضافة تخفيفا ؛ لأن اسم الفاعل المستكمل لشروط العمل يجوز فيه الوجهان . واختلف في هذه الجملة : هل المراد بها النهي أي : لا تتبع قبلتهم ، ومعناه : الدوام على ما أنت عليه ؛ لأنه معصوم من اتباع قبلتهم ، أو الإخبار المحض بنفي الاتّباع ، والمعنى أن هذه القبلة لا تصير منسوخة ، أو قطع رجاء أهل الكتاب أن يعود إلى قبلتهم ؟ قولان مشهوران . قوله : « وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ » . قال القفال : هذا يمكن حمله على الحال وعلى الاستقبال . أما على الحال فمن وجوه : الأول : أنهم ليسوا مجتمعين على قبلة واحدة حتى يمكن إرضاؤهم باتباعها . الثاني : أن اليهود والنصارى مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في القبلة ، فكيف يدعونك إلى ترك قبلتك ، مع أنهم فيما بينهما مختلفون . الثالث : أن هذا إبطال لقولهم : إنه لا يجوز مخالفة أهل الكتاب ؛ لأنه إذا جاز أن تختلف قبلتاهما للمصلحة جاز أن تكون المصلحة في ثالث .